العلامة المجلسي

91

بحار الأنوار

ذلك لم يجد العقل دليلا يفرق ما بينهما ، ولم يكن لنا بد من إثبات ما لا نهاية له معلوما معقولا أبديا سرمديا ليس بمعلوم أنه مقصور القوى ، ولا مقدور ولا متجزئ ولا منقسم ، فوجب عند ذلك أن يكون ما لا يتناهى مثل ما يتناهى . وإذ قد ثبت لنا ذلك ، فقد ثبت في عقولنا أن مالا يتناهى هو القديم الأزلي وإذا ثبت شئ قديم وشئ محدث ، فقد استغنى القديم الباري للأشياء عن المحدث الذي أنشأه وبرأه وأحدثه ، وصح عندنا بالحجة العقلية أنه المحدث للأشياء وأنه لا خالق إلا هو ، فتبارك الله المحدث لكل محدث ، الصانع لكل مصنوع المبتدع للأشياء من غير شئ . وإذا صح أني لا أقدر أن احدث مثلي استحال أن يحدثني مثلي ، فتعالى المحدث للأشياء عما يقول الملحدون علوا كبيرا . ولما لم يكن إلى إثبات صانع العالم طريق إلا بالعقل لأنه لا يحس فيدركه العيان أو شئ من الحواس ، فلو كان غير واحد بل اثنين أو أكثر لأوجب العقل عدة صناع كما أوجب إثبات الصانع الواحد ، ولو كان صانع العالم اثنين لم يجر تدبيرهما على نظام ، ولم ينسق أحوالهما على إحكام ، ولا تمام ، لأنه معقول من الاثنين الاختلاف في دواعيهما وأفعالهما . ولا يجوز أن يقال إنهما متفقان ولا يختلفان ، لان كل من جاز عليه الاتفاق جاز عليه الاختلاف ، ألا ترى أن المتفقين لا يخلو أن يقدر كل [ منهما على ذلك أولا يقدر كل منهما على ] ذلك فان قدرا كانا جميعا عاجزين ، وإن لم يقدرا كانا جاهلين ، والعاجز والجاهل لا يكون إلها ولا قديما . وأما الرد على من قال بالرأي والقياس والاستحسان والاجتهاد ، ومن يقول إن الاختلاف رحمة ، فاعلم أنا لما رأينا من قال بالرأي والقياس قد استعمل شبهات الاحكام لما عجزوا عن عرفان إصابة الحكم ، وقالوا : ما من حادثة إلا ولله فيها حكم ولا يخلو الحكم من وجهين إما أن يكون نصا أو دليلا وإذ رأينا الحادثة قد عدم نصها فزعنا - أي رجعنا - إلى الاستدلال عليها بأشباهها ونظائرها ، لأنا متى لم نفزع إلى